فخر الدين الرازي
370
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
من السماء والكافرين يكونون في سجين من الأرض وثانيها : يحتمل أن يكون المراد بالفوقية الفوقية في الكرامة والدرجة . فإن قيل : إنما يقال : فلان فوق فلان في الكرامة ، إذا كان كل واحد منهما في الكرامة ثم يكون أحدهما أزيد حالا من الآخر في تلك الكرامة ، والكافر ليس له شيء من الكرامة فكيف يقال : المؤمن فوقه في الكرامة . قلنا : المراد أنهم كانوا فوقهم في سعادات الدنيا ثم في الآخرة ينقلب الأمر ، فاللّه تعالى يعطي المؤمن من سعادات الآخرة ما يكون فوق السعادات الدنيوية التي كانت حاصلة للكافرين ، وثالثها : أن يكون المراد : إنهم فوقهم في الحجة يوم القيامة ، وذلك لأن شبهات الكفار ربما كانت تقع في قلوب المؤمنين ، ثم إنهم كانوا يردونها عن قلوبهم بمدد توفيق اللّه تعالى ، وأما يوم القيامة فلا يبقى شيء من ذلك ، بل تزول الشبهات ، ولا تؤثر وساوس الشيطان ، كما قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ إلى قوله - فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا [ المطففين : 29 - 34 ] الآية ورابعها : أن سخرية المؤمنين بالكفار يوم القيامة فوق سخرية الكافرين بالمؤمنين في الدنيا لأن سخرية الكافر بالمؤمن باطلة ، وهي مع بطلانها منقضية ، وسخرية المؤمن بالكافر في الآخرة حقة ومع حقيقتها هي دائمة باقية . السؤال الثالث : هل تدل الآية على القطع بوعيد الفساد فإن لقائل أن يقول : إنه تعالى خص الذين اتقوا بهذه الفوقية فالذين لا يكونون موصوفين بالتقوى وجب أن لا تحصل لهم هذه الفوقية وإن لم تحصل هذه الفوقية كانوا من أهل النار . الجواب : هذا تمسك بالمفهوم ، فلا يكون أقوى في الدلالة من العمومات التي بينا أنها مخصوصة بدلائل العفو . أما قوله تعالى : وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ فيحتمل أن يكون المراد منه ما يعطي اللّه المتقين في الآخرة من الثواب ، ويحتمل أن يكون المراد ما يعطي في الدنيا أصناف عبيده من المؤمنين والكافرين فإذا حملناه على رزق الآخرة احتمل وجوها أحدها : أنه يرزق من يشاء في / الآخرة ، وهم المؤمنون بغير حساب ، أي رزقا واسعا رغدا لا فناء له ، ولا انقطاع ، وهو كقوله : فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ [ غافر : 40 ] فإن كل ما دخل تحت الحساب والحصر والتقدير فهو متناه ، فما لا يكون متناهيا كان لا محالة خارجا عن الحساب وثانيها : أن المنافع الواصلة إليهم في الجنة بعضها ثواب وبعضها تفضل كما قال : فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [ النساء : 173 ] فالفضل منه بلا حساب وثالثها : أنه لا يخاف نفادها عنده ، فيحتاج إلى حساب ما يخرج منه ، لأن المعطي إنما يحاسب ليعلم لمقدار ما يعطي وما يبقي ، فلا يتجاوز في عطاياه إلى ما يجحف به ، واللّه لا يحتاج إلى الحساب ، لأنه عالم غني لا نهاية لمقدوراته ورابعها : أنه أراد بهذا رزق أهل الجنة ، وذلك لأن الحساب إنما يحتاج إليه إذا كان بحيث إذا أعطى شيئا انتقص قدر الواجب عما كان ، والثواب ليس كذلك فإنه بعد انقضاء الأدوار والأعصار يكون الثواب المستحق بحكم الوعد والفضل باقيا ، فعلى هذا لا يتطرق الحساب البتة إلى الثواب وخامسها : أراد أن الذي يعطي لا نسبة له إلى ما في الخزانة لأن الذي يعطي في كل وقت يكون متناهيا لا محالة ، والذي في خزانة قدرة اللّه غير متناه والمتناهي لا نسبة له إلى غير المتناهي فهذا هو المراد من قوله : بِغَيْرِ حِسابٍ وهو إشارة إلى أنه لا نهاية لمقدورات اللّه تعالى